سنتان مقابل إلغاء الطائفية: إصلاح أم مقايضة

 في الوقت الذي تضج فيه الصالونات السياسية بضجيج التحضيرات للانتخابات النيابية، تُطبخ في الكواليس صفقات من عيار ثقيل قد لا تكتفي بتأجيل موعد الاقتراع فحسب، بل تمتد لتطال شكل النظام اللبناني برمته. فخلف الأبواب الموصدة، لم يعد التمديد للبرلمان مجرد "إجراء تقني، بل تحوّل إلى ورقة مساومة كبرى يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، واضعاً الجميع أمام خيارين أحلاهما مرّ.
على عكس ما يُشاع، لم يقفل رئيس المجلس نبيه بري الباب أمام احتمال التمديد لعامين إضافيين، لكنه في الوقت نفسه يرفض أن يكون التمديد مجانيّاً أو تقنيّاً بحتاً. وبحسب المصادر، يشترط بري لقبول التمديد السير في مسار إصلاحي دستوري متكامل، يرتكز على المادة 22 من الدستور، حيث تنص على أن انتخاب مجلس نواب خارج القيد الطائفي.
والمادة 95 من الدستور، الذي ينص على السير نحو إلغاء الطائفية السياسية تدريجيّاً.
وإنشاء مجلس شيوخ، ليكون الضمانة للطوائف بالتوازي مع علمانية مجلس النواب.
المفارقة الصارخة تكمن في حالة المكابرة التي تعيشها القوى السياسية والرئاسات. فبينما يندفع الجميع علناً نحو إجراء الانتخابات في موعدها، يقرّون في الغرف المظلمة بالمأزق. لا أحد يجرؤ على تحمل كلفة الدعوة للتأجيل أمام الرأي العام، لكن الجميع يبحث عن مخرج يحفظ ماء وجههم.
لم يغب الخارج عن هذا المشهد المعقد، فقد كشف بري لصحيفة الشرق الأوسط أن بعض سفراء اللجنة الخماسية يميلون فعليّاً لفكرة التأجيل. وفي تصريح لافت يعكس حجم الضغوط، نُقل عن سفير غربي قوله لنائب كسرواني، إن إجراء الانتخابات قبل معالجة ملف السلاح يُعد فعل خيانة وطنية. هذا الموقف يطرح علامات استفهام كبرى حول ما إذا كان المجتمع الدولي يفضل استقراراً ممدداً على ديمقراطية قد تفجر الأوضاع الأمنية.
ومع استعصاء الحل السياسي المباشر، يبرز السيناريو القضائي كطوق نجاة. فقد قدم عبده سعادة طعناً في 19 شباط، يقتضي إبطال مرسوم دعوة الهيئات الناخبة وتصحيح العيوب الجسيمة التي تشوب قانون الانتخابات الباب أمام مجلس شورى الدولة لقبول الطعن ووقف تنفيذ المسار الانتخابي. هذا المخرج سيعفي القوى السياسية من إحراج التصويت على التمديد في البرلمان، ويجعل التأجيل أمراً واقعاً بقرار قضائي.
بين طموح بري في تغيير وجه النظام اللبناني جذرياً عبر المادتين 22 و95 وهو ما أيده بوضوح نواف سلام، وبين ضغوط السفراء والمناورات القضائية، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة.
لبنان اليوم أمام مفارقة مضحكة مبكية، فالدستور الذي عُطل لسنوات يُراد استحضاره الآن عبر مجلس الشيوخ وإلغاء الطائفية ليس حباً بالإصلاح، بل كثمن لتمديد بقاء الطبقة السياسية في كراسيها. فهل نعيش ولادة جديدة للنظام، أم أننا بصدد عملية تجميل قسري لتأجيل انفجار المأزق؟